القائمة الرئيسية

الصفحات

محبة الأعداء فى المسيحية

محبة الأعداء فى المسيحية

محبة الأعداء فى المسيحية
محبة الأعداء فى المسيحية

القانون الخامس لملكوت السموات فى محبة الأعداء
يمكن مشاهدة مقدمة الموضوع من هنا ملكوت السموات وقوانينه

"سمعتم انه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم: احبوا اعداءكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا الى مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم. لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات فانه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين. لانه ان احببتم الذين يحبونكم فاي اجر لكم؟ اليس العشارون ايضا يفعلون ذلك؟ وان سلمتم على اخوتكم فقط فاي فضل تصنعون؟ اليس العشارون ايضا يفعلون هكذا؟ فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السماوات هو كامل." (مت5: 43-48)



نأتي الآن إلى القانون الخامس من قوانين الملكوت. وأريد أن أذكركم، قبل أن ابدأ فى دراسة هذا القانون، أن "المحبة هي تكميل الناموس" (رو10:13). فقد نصت الوصايا العشر على ذلك فأنتم تعلمون كيف أن الرب فى جوابه على سؤال الناموسى لخص الوصايا العشر فى وصيتين، إحداهما محبة الله والأخرى محبة القريب، فقال "تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك... تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والانبياء".

وكما نصت الوصايا العشر على المحبة، فقد نصت القوانين العشر عليها ايضا، فهى تتلخص كلها فى الوصية الجديدة "ان تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم انا تحبون انتم ايضا بعضكم بعضا" (يو34:13).

نستطيع أن نرى الناموس كله يتلخص فى كلمة واحدة هى المحبة. ومن العجيب أن البشر وهم تحت ظل العهد القديم كان عليهم أن يحبوا الله وأقربائهم، ولكننا ونحن تحت حكم العهد الجديد علينا أن نحب بعضنا بعضا فقط. ان الفرح يغمر قلبى لأن الله لم يأمرنى أن أحبه بل إن محبتي له من أجل ذلك ليقصر دونها وصف، فانى أرى نفسى فى غنى عن أن آمر أولادى بمحبتي إذ هم يحبوننى لانهم أولادى، ولانى أحبهم، وكذلك هى الحال مع الله، فنحن نحبه لاننا أولاده المولودون من فوق، ولانه هو يحبنا.

أننى لم أشعر من قبل بتبكيت شديد على الخطية بقدر ما شعرت عندما انفتحت عيناي فأبصرت أن الخطية هي التعدي على قانون المحبة. نعم كثيرا ما كسرت هذا القانون فى تصرفاتى مع الاخوة المسيحيين، وفي ما قلته عنهم في أثناء غيابهم، وما جال فى خاطرى عنهم، والطريقة التى بها حكمت عليهم او انتقدتهم فى قلبى.

والآن، قد ألمعنا قليلا الى معنى المحبة، لنتأمل هذا القانون الخامس الذى يدعونا لان نحب بعضنا بعضا، وليس ذلك فقط، بل هو يأمرنا أن نحب أعداءنا ايضا، فاسمع ما يقوله الرب يسوع المسيح "... وأما انا فأقول لكم احبوا أعداءكم".

من هم الأعداء

من هم الأعداء


فمن هم أولئك الأعداء الذين علينا أن نحبهم؟ لقد أعطانا الله فى هذه الفقرة قائمة تبين أولئك الأعداء. ولقد عنيت عناية خاصة بدراسة كل كلمة من هذه الكلمات فى الأصل اليونانى، حتى يتسنى لنا أن نلم بكل ما ترمى اليه من معنى، ويسهل علينا فهم ما يقصده الله منها. هذا وقد وضح الله لنا فى هذه الفقرة ايضا كيف نبني محبتنا لأولئك الاعداء.

إن أعداءنا فى كل شئ هم أولئك الذين "يلعوننا"، أعني أولئك الذين يريدون بنا شرا، او الذين يطلبون أذانا. فهؤلاء قد أمرنا الرب ان نحبهم وان نبين محبتنا لهم بأن نباركهم.

ثم إن أعداءنا ايضا هم أولئك الذين "يبغضوننا"، ويمقتوننا، يستخفون بنا، وقد أمرنا الرب ان نحبهم. فعليك أن تحب من يمقتك. وانت ايتها السيدة عليك ان تحبى من تستخف بك. نعم علينا جميعا ان نبين محبتنا لهم بأن نحسن اليهم.

وأعدائنا كذلك هم أولئك الذين "يسيئون إلينا". ومن هم أولئك يا ترى! أولئك هم الذين يتوعدوننا بالشر و يهينوننا. فواجبنا أن نظهر محبتنا لهم بأن نصلى من أجلهم.

وأخيرا فإن أعداءنا أيضا هم الذين "يضطهدوننا"، اى الذين يتكلمون ضدنا، ويأتون اعمالا معادية لنا، وقد أمرنا الرب ان نحبهم وأن نصلي من اجلهم. لقد كان الاضطهاد فى قديم الزمان (وفى يومنا هذا فى بعض الأماكن) يقوم على حد الحسام؛ ولكن الاضطهاد الذى علينا الآن أن نحتمله، قوامه ما هو احد من الحسام وامضى، ألا وهو ذلك العضو الصغير الملقب باللسان.

اللسان سلاح قاس

اللسان سلاح قاس


ألم تقرأ ما كتبه يعقوب الرسول عن اللسان وكم هو سلاح قاس؟ فاسمع الآن ما يقوله "هكذا اللسان أيضا هو عضو صغير ويفتخر متعظما هوذا نار قليلة اى وقود تحرق. فاللسان نار. عالم الإثم. هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويضرم دائرة الكون ويضرم من جهنم... وأما اللسان فلا يستطيع أحد أن يذلله هو شر لا يضبط مملوء سما مميتا" (يع3: 5-8).

ويجدر بنا ان نقف الآن هنيهة لنرى كم مرة استعملنا هذه السلاح الضار، قبل أن نتأمل فى مبلغ استعمال الآخرين اياه. فيالعظم الشر الوبيل، و الضرر البليغ الذي أحدثه اللسان.. كم مرة اغتبنا الآخرين واكثرنا عنهم القيل والقال، وكم مرة وشينا بهم وافترينا عليهم، وتعدينا بذلك قانون محبة الآخرين، واحزنا الروح القدس. 

فكثيرا ما نظن أننا فى حل من أن نقول عن الآخرين كل ما نعلم انه صدق، ولكنى أصرح لكم الآن أن ذلك ذم وقبح، وما أبلغ الضرر الذى أصاب كنائسنا بسبب القذف الذي كان بطله ذلك العضو الصغير. أى اللسان.

كم من المرات ذكرنا عن الآخرين أمورا لا تليق، انتقدنا أعمالهم، مع أن هناك قانونا آخر من قوانين الملكوت (هو القانون الثامن الذي سيأتي الكلام عنه فيما بعد) مؤداه "لا تدينوا لكى لا تدانوا". وأظن ان معنى هذا انه ينبغى لنا ان لا ندين أخا لنا او ننتقده ما لم نشعر أن الله يدعونا إلى ذلك. وأما ما عدا ذلك من النقد والدينونة فخطية، وكثيرا ما وقعنا في شرك هذه الخطية على النحو المذكور.

أتذكر ما نطق به إشعياء عندما رأى السيد جالسا على كرسى عال واذياله تملأ الهيكل؟ لقد صرخ قائلا: "ويل لي اني هلكت لاني انسان نجس الشفتين". فيالعظيم زلات الشفتين.. نحتاج أن نخلص من هذه الخطايا، وشكرا لله أن هناك نجاة منها وخلاصا منها بدم يسوع المسيح.

وأما اللسان، وهو ذلك العضو الصغير، فكثيرا ما صقله الناس علينا، وفى هذه الحالة يعلما هذا القانون الذي نحن الآن بصدده ان نحب أمثال هؤلاء ونصلي من اجلهم. ولربما تسألني هل يجوز للآخرين أن ينطقوا علينا باللعنة أو يبغضونا ويسيئون الينا ويضطهدونا؟ فأقول كلا، لا يجوز لهم ذلك، ولكن واجبنا نحن أن نتعلم قبول اساءتهم عن طيب خاطر.

ويحسن بنا هنا أن نتذكر قول بولس الرسول "لاتنتقموا لانفسكم ايها الاحباء بل اعطوا مكانا للغضب لانه مكتوب لى النقمة انا اجازى يقول الرب فإن جاع عدوك فاطعمه وان عطش فاسقه لانك ان فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير" (رو12: 19-21). وهكذا نجد فى هذه الرسالة تأييدا لهذا القانون الخامس القائل "احبوا اعداءكم".

هل يستطيع الإنسان الطبيعي أن يحب أعداءه؟


ولا يفوتني في هذه المناسبة أن أشير الى أنه من المحال على الانسان الطبيعى أن يحب أعداءه، فكل شخص مخلص لا يستطيع إلا أن يصرح بأن في نفسه شعورا يثور مشمئزا مما يوجه نحوه من اساءة، فاذا احتقره انسان مثلا، أراد أن يحتقره هو أيضا، وإذا أبغضه شخص رغب فى قطع علاقاته معها إذا ذمه أحد الناس هاج به شعور السخط يدفعه إلى أن يذمه كذلك، واذا اساءه انسان ثم انتابه حزن او نزلت به بلية طرب لها وفرح، أليس كذلك؟ ذلك هو الإنسان الطبيعي الذي لا يستطيع أن يحب أعداءه.

ولكن أبناء الله الذين ينضوون تحت لواء ملكوت الله يستطيعون أن يحبوا "أعداءهم". و سأبين لك الآن كيف يستطيعون، فما كان الرب يعطي أمرا يعلم أن تنفيذه ضرب من ضروب المحال.

فإذا كنت أنا، قبل كل شئ، من أولاد الله، أعنى أننى قد تبت توبة خالصة عن كل خطاياى، وأتيت الى الله بيسوع المسيح، وولدت الولادة الجديدة، أقول إذا كنت كذلك فلا بد أن تصبح فى طبيعة الله، فيكون شريكا للطبيعة الالهية كما قال بولس الرسول. وليس من شك في ان الله بطبيعته يحب أعداءه والا ففي أي مكان كنا نوجد الآن. لقد أحبنا الله ونحن بعد خطاة عائشون حياة العصيان الصريح له، وهي محبة لن نستطيع ان نعرف لها سببا.. رسالتنا الى العالم هي أن الله يحب أعداءه إذ نقرأ فى (رو8:5) قوله: "ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا".

وهكذا نرى ان الله يحب من يبغضه، و لست مغاليا اذا قلت انه لا يقدر إلا أن يحب أعداءه، ولا عجب فتلك طبيعته نفسها.

وهكذا كان الرب يسوع المسيح محبا لأعدائه عندما كان هنا على الأرض، فبارك من لعنه، وأحسن إلى من احتقره، وصلى لأجل من إساءة واضطهده، أو لم تقرأ ما قاله صارخا "يا ابنتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون"؟.. ولماذا احب المسيح أعدائه يا ترى؟ ذلك لأنه كان ابن الله، فلم يكن إنسانا كاملا فحسب، بل كان هو الله أيضا، فكانت طبيعته طبيعة الله ومن طبيعة الله كما اسلفنا محبة الأعداء.

كيف نحب أعدائنا؟

كيف نحب أعدائنا؟


ولكن إذا كانت لنا نحن أولاد الله طبيعة تستطيع أن تحب الأعداء فما بالنا نرى الذين ينفذون هذا الأمر قليلين؟ ان العيب فى ذلك راجع إلى وجود قسط كبير من الحياة العتيقة ما زال عالقا بنا، مع أننا قد أصبحنا خليقة جديدة فى المسيح يسوع، صرنا شركاء الطبيعة الالهية، وان تلك الحياة العتيقة تمنعنا عن أن نظهر حياة الله. وقد تسألني إن كان هناك مخرج من هذه الحياة الخاطئة. فأقول إن هناك، والحمد لله، مخرجا منها ونجاة اكيدة عند مكان يقال له الجلجثة.

وهناك سبب آخر نستطيع من أجله أن نحب أعداءنا، ذلك هو صليب يسوع المسيح، إذ عنده نقدر أن نتخلص من كل ما يعوقنا عن محبة أعدائنا فإن المسيح بموته قد صنع لنا تطهيرا شاملا محا جميع خطايانا، وليس ذلك فحسب بل لقد سمر على صليبه تلك الطبيعة العتيقة الخاطئة التى ورثناها عن آدم، وهكذا نستطيع جميعا أن نخلص منها، فشكرا لله على صليب يسوع المسيح. حقا انني أينما ذهبت فلا بد أن أعود الى ذكر صليب المسيح حيث بدأت.

لقد وقفت عند الصليب طالبا الغفران ورأيت كيف أن المسيح مات بديلا عنك، فتعال الى الصليب ثانية، واصلب هناك مع المسيح، تلك الطبيعة العتيقة الخاطئة، ففي استطاعتك الآن أن تتخلص منها، وأن تتجرد عن كل ما يعوق نمو طبيعة الله فيك. فإذا كان لك عدو يبغضك، او يحتقرك، او يقدحك، او يضمر لك السوء، أو يضطهدك، فأحسست فى داخلك شعور الاشمئزاز والاستفزاز، فاعلم أن ذلك "الشعور" ليس من مميزات الإنسان الجديد، ولا هو من طبيعة الله، بل هو بعض ذلك الإنسان العتيق الخاطئ الذى سمر مع المسيح على الصليب، وإذا كنت تريد الخلاص منه فاعترف به وضعه تحت الدم فتخلص منه وتجد أنك تستطيع أن تحب اعدائك.

خذ أيضا سببا آخر نستطيع من اجله أن نحفظ هذا القانون الخامس، فحفظنا اياه لا يرجع فقط الى اننا اولاد الله، ولنا طبيعة الله، ولا الى صليب المسيح الذى يفصلنا عن الإنسان العتيق الشرير، بل ان ذلك يرجع أيضا الى هبة يوم الخمسين، هبة الروح القدس، فكما أن المسيح يسوع هو عطية الله للعالم، فكذلك الروح القدس، وهو الاقنوم الثالث، هو عطية الله للكنيسة. فإذا ما صرنا أولاد الله، وقبلنا عطية الروح القدس، وما عمله الا ان يسكب فى قلوبنا محبة الله بغنى، ويساعدنا على أن نطيع قوانين ملكوت الله ومبادئه، ولسنا نستطيع أن نعمل ذلك بدونه، لان القوانين الادبية المدونة فى الموعظة على الجبل تصبح أمرا مستحيلا علينا، ان لم يساعدنا الروح القدس على تنفيذها.

ولعلك تذكر ذلك الوعد الجليل الذى ورد فى حزقيال (27:36) حيث يقول "واجعل روحي في داخلكم واجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها". وكم يلذ هذا الوعد لنفسى، فقد وعدنا الله ان يساعدنا بالروح القدس على حفظ قوانينه والعمل بها. أليس هذا واضحا أمامك؟

كيف يعمل الروح القدس؟

كيف يعمل الروح القدس؟


بقى لنا أن نعرف كيف يعمل الروح القدس عمله المبارك، فهو يظهر لنا قبل كل شئ تلك الحياة العتيقة الخاطئة، ثم يجردنا منها بفضل ذلك العمل الكامل الذي أكمله يسوع المسيح. وظيفة الروح القدس اذن ان يجعل الحقائق الخاصة بالصليب بواعث حقيقية لحياتنا. قال أحدهم إن الروح القدس وكيل على موت المسيح، فهو يطهرنا، وينقذنا، ويساعدنا حتى نحيا بحسب ما وصل إلينا من نور، ثم يهبنا بعد ذلك نورا أكثر مما لدينا يتناسب واستعدادنا لقبوله. "والنور الذى يكشف الخبايا هو النور الذي يشفى من الخطايا"

ومن عمل الروح القدس أيضا أن يعلمنا حياة المسيح، فهو الذي يفرغنا من برنا حتى يعمنا بر المسيح، ويجردنا من فضائلنا الذاتية لكي يتحلى بفضائل المسيح، وهكذا اذ ننقص نحن يزيد المسيح فينا، واذ يسكب محبة الله بغنى فى قلوبنا نجد من السهل علينا أن نحب أعداءنا فنصبح أولاد الله لا بالاسم فقط، بل بالفعل أيضا.

ثم يختم القانون الخامس بهذه الكلمات "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل". وليس معنى ذلك ان نكون كاملين فى الحكمة والقدرة، بل فى المحبة، فنحب الآخرين "كما احبنا المسيح".

ولئن بدا ذلك امامك نموذجا كاملا بعيد المنال، إلا أنه أمر المسيح وقوله، ولا يغيب عن بالنا أنه دائما يمنحنا قوة أن ننفذ بها ما أمرنا به، فإذا نحن لم نطعه فليس ذلك لعيب فى الله، بل لعله فينا.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

العناوين الرئيسية