القائمة الرئيسية

الصفحات

الإيمان والصلاة فى المسيحية

الإيمان والصلاة فى المسيحية


الطاعة والإيمان والصلاة يسيران جنبا الى جنب، واذا أطعنا اختبرنا صدق الوعد القائل "كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له".


الإيمان والصلاة فى المسيحية
الإيمان والصلاة فى المسيحية


"اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم. لأن كل من يسأل ياخذ ومن يطلب يجد ومن يقرع يفتح له. أم أي انسان منكم إذا سأله ابنه خبزا يعطيه حجرا؟ وإن سأله سمكة يعطيه حية؟ فإن كنتم وانتم اشرار تعرفون ان تعطوا اولادكم عطايا جيدة فكم بالحري ابوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه". (مت7: 7-11)

يمكن مشاهدة مقدمة الموضوع من هنا ملكوت السموات وقوانينه

نأتي الآن إلى القانون التاسع. وليس من شك اننا اذا حفظنا القوانين الثمانية السالفة أصبح لنا إيمان راسخ فى الله وثقة وطيدة بمواعيده المباركة نستطيع بهما أن ننال قوة في الصلاة وغلبة.

إن حياة أولاد الله الحقيقيين، الذين هم رعية ملكوت السموات، إنما هى حياة الاتكال الكامل على الله فى كل أمر من الأمور. على ان حياتنا الاولى، عقب ايماننا، لم تكن كذلك، بل كنا نعتمد على الله في بعض الأمور دون بعضها، ثم تلت ذلك فترات ضعف وفشل، حتى انتهى بنا الأمر الى أن تعلمنا فن الاتكال على الله فى كل شئ. 

وكما يعتني الأب والأم بابنهما هكذا يعتنى بنا الله ويولينا محبة فائقة و عطفا شديدا. فهو يعد نفسه مسئولا عن تدبير كل ما نحتاج إليه، وغاية ما يطلبه أن نعترف إليه بحاجتنا ونسأله أن يمد لنا يد المعونة: قال يعقوب الرسول "لستم تمتلكون لأنكم لا تطلبون" وهكذا نرى أن هذا القانون التاسع الذى نحن الآن بصدده إنما يحفزنا إلى الصلاة.

وتتوقف الصلاة على عوامل ثلاثة هامة هى:
  1. القدوم.
  2. الايمان.
  3. السخاء.

القدوم والصلاة

القدوم والصلاة


أما القدوم مذكور فى العددان السابع والثامن من هذا الأصحاح حيث يقول "اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح لكم لأن كل من يسأل يأخذ وكل من يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له".

"فالسؤال" هو أعلى مظهر للصلاة، "والقرع" أقل منه إذ أنه يعني أننا واقفون خارج الباب بينما يريد الله أن نكون دائما فى حضرته، ولكن يا للأسف أننا نجد نفوسا كثيرة واقفة خارج الباب. ولكن الله بلطفه ومحبته يخرج إلى خارج ويشجعنا قائلا "اقرعوا يفتح لكم".

وأما "الطلب" فمعناه أننا بعيدون جدا عن حضرة من نرفع اليه تضرعاتنا، فحالتنا إذ ذاك كحالة يوسف ومريم عندما قفلا راجعين من أورشليم مع الصبى يسوع: فمع أنه لم يغب عنهما اكثر من يوم واحد، إلا أن ذلك كلفهما مشقة البحث ثلاثة أيام كاملة حتى وجداه. وكذلك الحال معنا، فقد نترك الشركة معه ونهمل الاتصال به فيبتعد عنا، ونبتعد عنه.

وفى هذه الحاله يتحتم علينا أن نطلبه أولا ونجد فى البحث عنه قبل أن نطلب منه ما نحتاج إليه. ولا شك أننا سنجده، كما وجد يوسف ومريم فى المكان الذى تركاه فيه.

وإذا ما طلبنا السيد ووجدناه، وقرعنا ففتح لنا، عندئذ نستطيع أن ندخل الى حضرته نطلب منه فيعطينا، وهكذا يبدأ الإيمان يلعب دوره المجيد، ذلك الإيمان الذي هو الركن الثاني من أركان الصلاة الغالبة المقتدرة في فعلها.

فإذا عملنا ما علينا عمل الله ما عليه: فإذا كان من واجبنا أن نسأل فإن من واجب الله أن يمنح وعلينا بعد ذلك أن نأخذ. قال الرب "كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم" (مز24:11)

ولقد وردت الكلمة اليونانية المترجمة "تنال" فى مواضع كثيرة فى العهد الجديد، وهى مترجمة مره "تنال" وأخرى "تأخذ" وتعنى فى كل حالة عمل الإيمان الأكيد الذي ينال ما يطلبه.

ونريد الآن أن نعرف ما هو الإيمان. وإن أحسن تعريف للإيمان موجود فى (عب1:11) حيث يقول "وأما الايمان فهو الثقة بما يرجى والايقان بأمور لا ترى"، فهو إذن تلك القوة الروحية التي تمتد الى ما لا يرى وتشق الحجاب فتثق بكل ما هو مخفي عن العيون الجسدية الطبيعية.

وهاك مثلا بسيطا يشرح ذلك فنحن عندما نجتمع باسم الرب يسوع نعلم علم اليقين أنه حاضر فى وسطنا حسب وعده الصادق القائل "حيثما اجتمع اثنان او ثلاثة باسمى فهناك أكون فى وسطهم" وإن كنا لا نستطيع أن نراه ولا أن نسمع صوته أو نلمسه إلا أننا نعلم أنه حاضر معنا فليس يحجبه عنا سوى ذلك الحجاب الرقيق، حجاب الجسد البشرى، والإيمان هو تلك القوة الخفية التى تخترق الحجاب الجسدى فتنفذ إلى عالم ما لا يرى وتثق بحضور المسيح حضورا عمليا حقيقيا فهل عرفت إذن ما هو الإيمان.

وينطبق ذلك على الصلاة فإن الكتاب يعلمنا أن نؤمن بأننا أخذنا فعلا ما نطلبه في الصلاة، ولذلك فالإيمان هو تلك اليد الخفية التى تدخل الى عالم غير منظور وتأخذ من الله كلما طلبناه منه فيضحى ذلك أمرا حقيقيا ثابتا فإذا ما أمنا أننا نلناه على هذا النحو وتثبت هو فى قرارة نفوسنا حققه لنا الله وأعطانا إياه بشكل ظاهر فى الوقت الذى يختاره بالطريقة التي يريدها. على أن هذه المرحلة كثيرا ما شهدت فشل الكثيرين. فلقد نسأل الله أمرا ويعطينا إياه ولكننا لعيب فينا لا نستطيع أن نأخذه منه. 

أن علة عدم الإيمان ترجع دائما إلى أسباب أخلاقية وجدت عونا كبيرا على التغلب على هذه العلة. فلنتأمل الآن في ثلاثة من هذه الأسباب الاخلاقية ورد ذكرها فى كلمة الله، راجين أن نتخلص منها، وإذا فصلنا فى السبب فصلنا فى النتيجة ايضا ونشأ فينا ايمان قوى فتى بالله بمواعيده الكريمة.


الإيمان والصلاة

الإيمان والصلاة


وأول سبب يسترعي أنظارنا هو الضمير الفاسد ولذلك يقول فى (1تى19:1) "ولك إيمان وضمير صالح الذى إذ رفضه قوم انكسرت بهم السفينة من جهة الإيمان أيضا" فإن هذه الآية تصور لنا سفينة تمخر عباب المحيط في معمعان سرعتها وبينما هى كذلك إذا بها تصطدم بصخرة كبيرة فتتمزق أوصالها، وما هذه الصخرة الملعونة إلا الضمير الفاسد، فلو كان لى ايمان بالله يحاكى ايمان الطفل في نقاوته لكان لى ضمير بلا عثرة من نحو الله والناس.

والضمير كما نعلم هو معرفة الإنسان نفسه فيجب ألا يكون بيننا وبين الله، ولا بيننا وبين الناس شائبة كما يقول الرسول يوحنا "لانه ان لامتنا قلوبنا فالله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شئ. أيها الأحباء إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله ومهما سألنا ننال منه لاننا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه" (1يو3: 20-22) ولعلك تذكر القانون الأول الذي يقول "فان قدمت قربانك الى المذبح وهناك تذكرت ان لاخيك شيئا عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب اولا اصطلح مع اخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك" يمكن الرجوع للقانون الأول من هنا الغضب فى المسيحية ولقد عرفت بالاختصار أنه متى كان ضميرى فاسدا كانت ثقتى بالله فاترة فاسدة، فإذا حدث أن تعديت قانون المحبة فاغتبط صديقا لى أو ذممته فان سحابة سوداء كانت تغمرني وتفسد على ثقتى وإيماني، وهذه هي حال كثير من المسيحيين اليوم، وكثيرا ما جاءني البعض ممن سمعونى اتحدث عن الإيمان الفال الذي يستطيع أن ينال ما يطلبه وما يصلى لأجله فيقولون لى "ولكن ما العمل و ايمانى ضعيف؟" . ولعلهم ينتظرون مني ان اعطف عليهم، ولكن جوابى عليهم فى كل حالة كان واحدا فكنت أسألهم "ما هي أعمالكم؟ ترى هل تنتظرون مني أن أرثي لكم وأعطف عليكم لان لكم إيمانا ضعيفا بالله قدير؟ فما هى نوع الأعمال التي تأتونها؟ ولماذا ترضون هذا الإيمان الواهى؟".

فهل إيماننا ضعيف؟ فإن كان كذلك أرشدنا الله إلى موطن الضعف بأن وضع اصبعه على امر فى حياتنا لا يرضيه بل يساعدنا على اقتلاع ذلك السبب الذى نشأ عنه عدم الايمان، فان عملنا هكذا يحق علينا قوله "إن لم تلمنا قلوبنا فلنا ثقة من نحو الله ومهما سألنا ننال منه".

ولقد أوضح المسيح في (يو44:5) سببا آخر لعدم الإيمان فقال "كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض. والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه". ذلك أمر خداع جدا وهو من أكبر معطلات الإيمان، فنحن نعلم أننا نميل الى أن كثيرا مما نأتيه من أعمال مجيدة وما نقول من أقوال حميدة لا غرض له إلا أن ينال استحسان الناس ومديحهم وتلك بلا ريب عقبة كأداء في سبيل إيماننا. فالرب يقول "كيف تقدرون ان تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدا بعضكم من بعض. فإن كان هناك رجل يطلب المجد من الله دون البشر، ويسعى لإرضاء معلمه السماوى دون اصدقائه البشر، فما ذلك الرجل إلا رجل الإيمان الذي يثق بالله ويتكل على مواعيده الصادقة. وأما السعى وراء مجد البشر فأمر منشؤه عدم الإيمان.

وإنه لشرك لنا أن نطلب ابتغاء مرضاة السامعين أو تزلفا لاحد الموسرين او ذوى الجاه العريض والسلطان العظيم،أو أن نعظ لننال استحسان من يهمنا استحسانهم ومن نرجو رضاءهم. 

أما العلة الثالثة التى يرجع إليها عدم الإيمان الواردة في (1تى 10:6) حيث يقول "محبة المال أصل كل الشرور". ولعلى اسمع همسا فى الآذان قائلا "شكرا لله. فلست فى لوم من محبة المال بأى وجه من الوجوه". فهل أنت تعني ما تقول يقينا. فإن كنت لا تحب المال حقا فهل حفظت قوانين الملكوت الخاصة بالمال، فاحكم على نفسك فى ضوئها: فهل أنت تعطى لكل من يسألك، هل تقرض من يطلب أن يقترض منك، وهل تعتبر ما ملكت يداك من كنوز أرضية ملكا لرب السماء دونك أنت، يمكنك الرجوع لموضوع من سألك فأعطه وما أنت إلا وكيلا سوف يعطى حسابا عن كل ما استؤمن عليه، فإن لم تكن كذلك وانت تحب المال حقا، وتخدم المال يقيا، ولا يشغل الله المكان اللائق به في حياتك، فلا عجب إذا كان ايمانك ضعيفا واهيا. فلنهب أيها الأحباء هبة واحدة لاصلاح هذه الأمور، فلنعترف بها لله ولنفصل في أمرها عند صليب الجلجثة، فنتخلص بذلك من تلك الآفات الخلقية التى تولد عدم الايمان، فاذا عملنا هذا رجعنا الى علاقتنا الطبيعية بالله كاولاد نسأله فيمنحنا فيض الخيرات التى يرضاها لنا.

قال المسيح "أما أي انسان منكم اذا سأله ابنه خبزا يعطيه حجرا وإن سأله سمكة يعطيه حية فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذى فى السموات يهب خيرات للذين يسألونه".

حاشا لله أن يسخر منا فهو يسر بأن يمنحنا كل شئ، واذا ما منع عنا بعض ما نطلبه أحيانا فما ذلك إلا لأنه لخيرنا، فهو يعاملنا كما يعامل الأب الأرضي المخلص أولاده الاحباء، فلو سألنى ابنى أمرا يضره لما أعطيته إياه.

تلك هي المحبة الصادقة. وهو فى الواقع "حجر" أو "حية"، فان كنا ونحن أشرار نعرف أن نعطي أولادنا عطايا جيدة فكم بالحرى أبانا الذى فى السموات يهب خيرات للذين يسألونه.


السخاء والصلاة

السخاء والصلاة


درسنا الآن عاملين من أهم العوامل التى تتوقف عليها الصلاة الغالبة وهي القدوم والإيمان. بقى علينا أن ندرس العامل الثالث "السخاء" وهو يقودنا الى ألقاء لمحة خاطفة على موضوع حديثنا القادم عن آخر قانون من قوانين ملكوت السموات، ذلك القانون الذي يقول "فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم ايضا بهم لان هذا هو الناموس والأنبياء" (مت12:7).

فبما ان لنا أبا سخيا كريما كهذا يهب خيرات للذين يسألونه فلا يمكننا الا أن نكون أسخياء، فنعامل الآخرين بما نحب أن يعاملونا هم به. وهناك صلة وثيقة بين السؤال والعطاء فلمحة الموعظة على الجبل وسداها أن نحيا فى هذا الارض لاجل غيرنا حتى يكون ما نسأله من الله مقصودا لبركة الآخرين وإسعادهم كما يقول في (أم25:11) "النفس السخية تسمن". أما الاثرة فى الصلاة فهى سبب من الاسباب التى تحمل الله على عدم استجابة صلواتنا ولذلك يقول يعقوب الرسول: "تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديا لكي تنفقوا في لذاتكم" (يع3:4).

يود الله أن يجعل كل واحد منا أداة لبركة الآخرين، فعلينا من الناحية الاخرى ان نعطي غيرنا مما اعطانا الله اياه. فلينقذنا الله من قصر طلباتنا على أنفسنا إذ أن ذلك معطل يقف عقبة فى سبيل فيضان البركة، فيفسد علينا، وعلى من حولنا، مواعيده الثمينة الغالية. ويبث فينا سخائه وكرمه.

وإذا حفظنا أمره وأطعنا وصيته، نلنا وعده وتمتعنا ببركته، ان كثيرين يحاولون أن يدعوا لأنفسهم تلك المواعيد العجيبة الخاصة باستجابة صلواتهم بينما هم يرفضون متعمدين أن يطيعوا ما تضمنته الموعظة على الجبل من أوامر ونواه، فلا عجب إذا لم يظفروا بجواب على صلواتهم، إذ الطاعة والايمان يسيران جنبا الى جنب، واذا أطعنا اختبرنا صدق الوعد القائل "كل من يسأل يأخذ. ومن يطلب يجد. ومن يقرع يفتح له".
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

العناوين الرئيسية