القائمة الرئيسية

الصفحات

الحكمة في البناء



"حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ." (1 كو 3: 10) 

نحن بناء كما يقول بولس وهيكل مقدس للروح القدس 

الحكمة في البناء



إن بولس الرسول في هذا الفصل الصغير يشير إلى التحزب والشقاق الموجودين في كنيسة كونثوس.
وبنوع خاص إلى خطر التعاليم الجديدة التي كانت تهدد الإيمان المسيحي فيها. وهكذا بعد أن يذكرهم انه بنعمة الله هو الذي بنى كنيستهم، وان الذين جاءوا بعده إنما هم قد تسلموا العمل منه، يعود فيحذرهم تحذيرا شديدا من إهمال المسئولية العظمى التي وضعها الله في أعناقهم لكيلا يفسدوا الإيمان القويم ولا يمزجوه بتعاليم بشرية أو فلسفية دنيوية كاذبة.
وقبل أن يقول لهم. "فلينظر كل واحد منكم كيف يبنى" قال لهم: "أنتم بناء الله" ثم طلب منهم أن يكونوا بنائين حكماء. 
ومن الأمثلة المشهورة عن الحكمة في البناء وعدمها المثل الشهير الذي اختتم به السيد عظته الخالدة على الجبل إذ قال: "فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبهه برجل عاقل بنى بيته على الصخر، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسسا على الصخر وكل من يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته على الرمل. فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيما". 

ومن هذا المثل يتبين لنا أن متانة البناء وثباته إنما يتوقفان على حكمة البناء ودرايته ليس إلا. 

فالبناء الذي يوجه إليه الرسول بولس كلامه هو أنتم وانا وكل واحد من الناس بدون استثناء. 

فكل منا هو بناء ويطلب منه أن يكون حكيما وأمينا في بناء البناية التي يعهد إليه ببنائها. 

والبناية التي نبني هي حياتنا وحياة أولادنا وأصدقائنا وأهلنا. فكل كلمة نقولها وكل عمل نعمله إنما هو حجر نضعه في جدار هذه البناية إلى أن تكمل. 

فجمال هذه البناية ومتانتها إنما يتوقفان علينا دون سوانا من الناس. كما انه لا يقدر أحد منا أن يقول: "أنا لست بناء ولا يطلب منى شيء". وذلك لان بولس بكلامه لا يستثنى أحدا. فلينظر كل منا كيف يبنى. ولذا فانه يطلب منا: - 


أولا: 

أن نحسن اختيار البقعة الصالحة التي نشيد عليها بناءنا. 


ذلك لأنه من الطبيعي قبل أن يبدأ المرء ببناء بيته أن يفكر في المكان الصحي والموقع الجميل الجذاب.
إذ انه غير ممكن أن يبنى بيته في مكان رطب الهواء فاسده. فاذا كنا نريد أن نبني بناية أخلاقنا وأخلاق أولادنا بشكل صالح جذاب علينا أول كل شيء أن نفكر في البيئة الصالحة التي نعيش فيها. 

ذلك لان بولس نفسه يقول: "المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة". 

البيت الذي يسكن فيه أولادنا يجب ان يكون صالحا، والمدرسة التي يتعلم فيها أولادنا يجب ان تكون صالحة، والعشراء الذين يمتزج بهم يجب ان يكونوا صالحين. فكم من بناية حياة قد تهدمت لأنها لم تبن في مكان مناسب. 



ثانيا: 

يطلب منا ان نحسن اختيار الأساس الذي نبني عليه. 


ذلك لأنه ليس أحد منا يجهل ما للأساس من أهمية عظمى في البناء.
لان على متانة هذا الأساس وقوته تتوقف متانة البناء كله. ففي الدرجة الأولى يجب ان يكون صخريا. لان كل بناء لا يؤسس على الصخر لا يقوى على مقاومة العواصف والسيول. 

وفي الدرجة الثانية يجب ان يكون ثابتا غير متقلقل. ونعنى بهذا ان لا يكون صخرا متقلقلا بل ثابتا في الأرض وقسما منها. فالبناء الحكيم عندما يحفر الأساس لا يكتفي بوصوله إلى الصخر بل يمتحن الصخر بنفسه ليتثبت من عدم تقلقله وعندئذ يباشر بالناء عليه. 

فيأتي بناؤه راسخا لا تؤثر فيه جميع العوامل الطبيعية القاسية. والذي يصدق على البناء المادي يصدق أيضا على البناء الروحي. 

فالحياة التي لا تؤسس على صخر الدهور لا يمكن ان تثبت طويلا أمام تجارب الحياة وتقلباتها. انظروا إلي حياة أيوب الصديق وانظروا أيضا إلي حياة بولس الرسول وكم تعرضت كل من هاتين الحياتين إلى عواصف شديدة من التجارب القاسية والمصاعب القاحمة للظهور ومع هذا لم تتقلقل ولم تتزعزع. وما ذلك ألا لان كلا منهما كانت مؤسسة على صخر الدهور. فبولس يشير إلى أساس صخري هو الرب يسوع الذي يجب ان تبنى عليه كل حياة لكي تثبت ثبوت هذا الأساس. 



ثالثا: 

يطلب منا أيضا ان نحسن اختيار المواد الصالحة للبناء. 


ان أول ما يفكر فيه لبيناء الحكيم بعد اختيار المكان المناسب بالأساس المتين ان يختار المواد التي تصلح للبناء وتتناسب معه. 

وهذه المواد يجب ان تكون من نفس مادة الأساس وجماله وصلابته. فلا يجوز ان تبنى على الأساس الصخري مادة ترابية مثلا لأنه لا يوجد تناسب بين الاثنين. 

ولما كانت حياتنا الروحية مؤسسة على صخر الدهور الذي لا يقلقل وجب علينا ان نجعل مواد البناء فيها من نوع مادة الأساس في الجمال والمتانة. وهذه المواد هي تعاليم الكتاب المقدس. 

بناية حياتنا هي بناية الله. فجميع موادها يجب ان تكون من هذا المقلع السماوي. 

فلتتذكر كل سيدة ان كل كلمة تقولها أو كل عمل تعمله إنما هو حجر تضعه في بناء حياتها أو حياة ذويها. فلتحذر ولتكن حكيمة. 



رابعا: 

يطلب منا أيضا ان نحسن البناء. 


وهذا يعنى ان نبني على نفس الأساس الذي اخترناه وليس غيره. لان الذي لا يبنى على الأساس لا يمكن ان يكون عاملا مع الله وبناؤه يتهدم سريعا. 

بعكس الذي يبنى على الأساس الصحيح فانه يتأكد من متانة بنائه وثباته إلى الأبد. 

بنيت حياة يوسف الصديق على أساس الإيمان الوطيد بإلهه فثبتت أمام التجربة وانتصرت عليها. 

في حين ان كثيرين من الشباب ينهار صرح حياتهم أمام اقل عاصفة من التجارب التي يتعرضون لها. 

والسبب في ذلك لان بناية حياتهم ليست مؤسسة على الأساس الصخري المتين. 

وان يكون بناؤنا محكما جدا بحيث لا نترك مجالا لدخول أي شيء بين حجر وحجر. ان أعظم بناء عرف في التاريخ بإحكام بنائه هو الأهرامات في مصر. فالذين شاهدوا هذه البنايات القديمة الجبارة يخبروننا أنها غاية في إحكام بنائها. 

حتى انه ليتعذر على المرء ان يميز الفواصل بين حجر وحجر فيتمثل له البناء كله مركب من حجر واحد. 

وهكذا يجب ان تكون حجارة الفضائل التي نبني بها بناية حياتنا محكمة جدا بحيث لا يقدر الشر ان يتسرب إليها ويدك معالمها. وما أعظم سعادة الأنسان الذي لا تقوى جميع تجارب العالم مهما عظمت وتكاثرت على ان تجد منفذا إلي بناية حياته. 

وان يكون البناء جميلا. وذلك لان جمال البناء يتوقف على الغاية التي بنى هذا البناء من أجلها. بناية الكنيسة جميلة لأنها بنيت لتكون بيتا لله. 

وأجمل الأبنية القديمة والحديثة هي المعابد والمدارس والمستشفيات وذلك لأنها بنيت من اجل غايات سامية. 

وحياتنا أيضا يجب ان يكون بناؤها جميلا لأنها بناية الله ومسكن روحه القدوس. فلتنظر إذا كل أم كيف تبنى. 



خامسا: 

يطلب منا أيضا ان نحسن استعمال هذه البناء. 


فلا نستعمله إلا للغاية التي بنى من اجبها. فالمشفى يستعمل لمداواة المرضى، والمدرسة لتهذيب النشئة، والكنيسة للعبادة. وهكذا 

ولا يجوز البتة استعمال بناية بنيت لغاية ومقاصد شريفة في أمور غير شريفة. 

وليس الوقت ببعيد عندما حولت الدول المتحاربة المعابد إلى ثكنات عسكرية فتألم الناس من هذا العمل وأقروا بعدم لياقته. 


نحن بناء كما يقول بولس وهيكل مقدس للروح القدس فلا يجوز لنا ان نستخدم هذا البناء للشر لا كله ولا جزءا منه. 

كلامنا وأعمالنا وقلوبنا جميعا يجب ان تكون مقدسة. فلنحذر إذا ولينظر كل واحد وواحدة منا كيف يبنى هذا البناء المقدس وكيف يستخدمه لمجد الله وخير كنيسته والعالم اجمع.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

العناوين الرئيسية